أحمد بن علي الرازي
103
شرح بدء الأمالي
يجرى في ملكه قليل أو كثير خيرا أو شرا إلا بقضائه وقدرته وإرادته ومشيئته . ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن « 1 » ، وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
--> - لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ . وقال الله تعالى : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ . فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه وهي الإرادة القدرية فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد شاء الله وجوده ، قالوا : فيكون قد رضيه وأمر به ، قال الله : هكذا كذب الذين من قبلهم بالشرائع من الأمر والنهى : حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرموه ، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وهو توهمكم ، أن كل ما قدره فقد شرعه ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ وتقرون بإبطال شريعته . قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته ، ومع هذا فلو شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته لكنه يمن على من يشاء فيهديه فضلا منه وإحسانا ، ويحرم من يشاء ؛ لأن المتفضل له أن يتفضل وله أن لا يتفضل ، فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط ، وله في ذلك حكمة بالغة ، وهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإرادته الشرعية وإن كان ذلك بإرادته القدرية ؛ فإن القدر كما يجرى بالمعصية جرى أيضا بعقابها ، كما أنه سبحانه وتعالى قد يقدر على العبد أمراضا تعقبه آلاما ، فالمرض بقدره ، فإذا قال العبد : قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب كان بمنزلة قول المريض قد تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم أو قد تقدمت الإرادة بأكل الحار فلا يحم مزاجى ، أو قد تقدمت الإرادة بالضرب فلا يتألم المضروب ، وهذا مع أنه جهل ، فإنه لا ينفع صاحبه ؛ بل اعتلاله بالقدر ذنب ثان يعاقب عليه أيضا ، وإنما اعتل بالقدر إبليس حيث قال : بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ، وأما آدم فقال : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم عليه السلام أو نحوه ، ومن أراد شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار ا . ه . ( 1 ) أخرجه أبو داود في كتاب « الأدب » باب ما يقول إذا أصبح : ( 4 / 319 ) حديث رقم ( 5075 ) من طريق سالم الفراء حدثه أن عبد الحميد مولى بني هاشم حدثه أن أمه حدثته وكانت تخدم بعض بنات النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يعلمها فيقول : « قولي حين تصبحين سبحان الله وبحمده لا قوة إلا بالله ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله . . . . الحديث » . وابن السنى في : « عمل اليوم والليلة » : ( ص 17 ) حديث رقم : ( 46 ) . والمنذري في : « الترغيب الترهيب » : ( 1 / 455 ) حديث : ( 17 ) ، والتبريزي في « مشكاة المصابيح » ( 2 / حديث برقم 3393 ) . -